صحيفة بني عبدالله (الباحث أبن شمسي)
● جاء في (إمتاع السَّامر):
[ فيصل بن وطبان الدويش شيخ قبيلة مطير، وهو من آل الدوشان من ناهس. ومطير من بني نهد، دخلَتْ في بني جعفر بن الحارث حلفاء بني مغيد. وسكنَتْ مطير "مشيع" و"رضف" وهما قريتان شمال شرقيّ أبها، ثم انتقلَتْ منها إلى "بيشة" عام 551 حيث كانت ضمن القبائل التي قادها الأمير سليمان بن موسى... حينما داهمَتْ قبائل الغز "بيشة" وتصدَّتْ لها تلك القبائل وجرَتْ بينهما معارك انهزمَتْ على إثرها قبائل الغز ومَن معها من الأشراف... وقد طاردَتْ تلك القبائل من مطير وعقيل... فلولهم، واستقرَّ معظم هذه القبائل بعد ذلك في نجد. ولا زالَتْ أصولهم في "عسير" بما في ذلك مطير؛ حيث لها جذور في "مشيع" و"رضف" ومنهم: آل ناهض، كما استقرَّ بعض مطير في "بيشة" فهم قحطانيون، ومَن استقرَّ منهم في نجد دخلوا في حلف مع بني عبد الله بن غطفان وبقايا كلب ] ص 196.
وهذا الخبر جاء في مواضعَ كثيرةٍ من (إمتاع السَّامر) ما يُناقضه ويَنْقضه:
1. فهو هنا نَسَبَ قبيلةَ مطير إلى بني نهد، لكنَّه نَسَبَها في ص 484 فقال: [ ومن "العفس": شقير أمير مطير بن الحكم بن سعد العشيرة ]. فنَقَلَها من نهد القضاعيَّة إلى مَذْحِج الكَهْلانيَّة!
أما "مطير بنُ الحكمِ بنِ سَعْدِ العَشِيرة" هذه فتلفيقٌ لا حقيقةَ له؛ فلَوْ صَحَّ أنَّ "الحكمَ بنَ سَعْدِ العَشِيرة" له ابنٌ هو "مطير" ويُنْسَبُ إليه بنوه لكان "بنو مطير" بطناً كبيراً من بطونِ مَذْحِج قبل الإسلامِ بقرونٍ متطاولةٍ. وهذه كُتُبُ الأنسابِ والتَّاريخِ والشِّعرِ والتَّراجمِ والبُلْدانِ قد خَلَتْ مِن ذِكْرِ شَيْءٍ ـ ولو باطلاً مَكْذوباً ـ عن "بني مطير بنِ الحكمِ بنِ سَعْدِ العَشِيرة" هؤلاء!
إنَّما المعروفُ هم "آل مطير"، وهي أسرةٌ علميَّةٌ يَعُودُ نَسَبُها إلى "الحكم بن سعد العشيرة"، وهذه الأسرةُ تَنْتَسِبُ إلى جَدِّها الأدنى: مطير بنِ عليِّ بنِ عثمانَ بنِ أبي بكرٍ الحَكَمِيّ (انظر: خلاصة الأثر 3/182 وتاج العروس: مطر). ومطير هذا عاشَ في القَرْنِ السَّابعِ ولعلَّه قد أدرَكَ القَرْنَ الثَّامنَ، والدَّليلُ على هذا: أنَّ العالِمَ الشَّهِيرَ محمَّدَ بنَ عيسى بنِ مطير الحفيدَ المباشرَ لمطير الحَكَمِيِّ كانَتْ وفاتُه سنة 744 (انظر ترجمته في: الدرر الكامنة).
وفي هذا القَرْنِ الثَّامنِ الذي كان فيه "آل مطير" أسرةً صغيرةً مقيمةً في إحدى قُرَى اليمن كانت قبيلةُ مطير الحجازيَّة قبيلةً بعيدةَ الذِّكْرِ واسعةَ الانتشارِ ذَكَرَها المؤرِّخُ المصريُّ ابنُ فضل الله العُمَرِيُّ المتوفى سنة 749 في كتابِه (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار).
2. أما نَسَبُ الدوشان فقد جاء عنده مُضْطرِباً في مواضعَ عدَّةٍ، فهو في هذا النَّصِّ نَسَبَهُم إلى "ناهس"، لكنَّه عاد فقال: إنَّ "عبيدة" من جَنْبٍ من مَذْحِج قد أنْجَبَ عدَّةَ أبناءٍ منهم "العفس"، وقال عن "العفس" هؤلاء [ دخلوا في ناهس بن عفرس أخي شهران، ومن "العفس": شقير أمير مطير بن الحكم بن سعد العشيرة ] ص 484. فظاهرٌ هنا أنَّه نَقَلَ نَسَبَهم من ناهس إلى جَنْبٍ من مَذْحِج!
لكنَّه يعودُ كعادتِه في الاضطرابِ والتَّناقضِ فيقول في ص 328: [ فاهدة من رفيدة بن عذرة بن ثور بن كلب القضاعي، دخلَتْ في ناهس بن عفرس الخثعمي بالحلف، وترأس مشيخة ناهس. ومن فاهدة "آل السفر" الذين منهم آل شقير رهط آل الدويش مشايخ مطير بن الحكم بن سعد العشيرة المذحجي ]، فرَمَى بهم هذه المرَّةَ إلى قضاعةَ!
فانظر كيف نَسَبَ أسرةً واحدةً في كتابٍ واحدٍ إلى ثلاثِ قبائلَ متباعدةٍ؟ وتناقضُ صاحبِ (إمتاع السَّامر) يَكْفي عن الخَوْضِ في مناقشةٍ تاريخيَّةٍ تَزِيدُه سُقُوطاً على سُقُوطِه.
3. وليس تناقضُ صاحبِ (إمتاع السَّامر) في هذه النُّصوصِ مَقْصوراً على الأنسابِ، بل قد زادَ فخَلَّطَ تَخْلِيطاً في الأخبارِ التَّاريخيَّةِ: في سياقِها وأحداثِها وشخوصِها وتواريخِها!
فهو يقول في ص 484: [ ومن "العفس": شقير أمير مطير بن الحكم بن سعد العشيرة في عهد الأمير غانم بن صقر الذي وجه مع قبيلته لطرد شريف مكة أحمد بن عجلان من "تربة" و"بيشة" ودعماً لفايز بن مطرف الحنتوشي جد "حنش" ].
أ. فالأمير غانم بن صقر هذا المزعومُ يقول فيه صاحب (إمتاع السَّامر) 329: [ أخضع غانم نجداً لسلطانه حتى عام 721 حيث توفي الأمير غانم بن الصقر وتولى بعده ابنه عبد الوهاب ]. أمَّا أحمد بن عجلان فقد كانت وفاتُه سنة 788 وعمرُه نحو 48 عاماً (انظر: العقد الثمين 3/ 62)، فيكونُ مَوْلِدُ أحمد بن عجلان في سنة 740 تقريباً. فيا بُعْدَ ما بينهما!
ب. ويعودُ صاحبُ (إمتاع السَّامر) فيزيد الأحداثَ المزعومةَ تَشْعيباً وتَفْصيلاً كعادتِه، فيقول في ص 40: إنَّ هذه الأحداثَ كانت سنة 783، وهذا يُناقِضُ ما زَعَمَهُ مِن وقوعِها على عَهْدِ غانم بن صقر المتوفى سنة 721 كما قال!
ج. ويعودُ فيقول في ص 40 أيضاً: إنَّ هذه الأحداثَ كانت على عَهْدِ الأميرِ عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن غانم بن صقر! ومات هذا الأميرُ قبل انقضائِها فقامَ بالأمرِ بَعْدَه ابنُه الأميرُ يزيد بن عبد الرحمن! فالأحداثُ المزعومةُ واحدةٌ لكنَّ المؤلِّفَ يُقلِّبُها من جيلٍ إلى جيلٍ!
د. ويأتي في سياقِ الأحداثِ في ص 484 اسْمُ "فايز بن مطرف الحنتوشي" ويُعرِّفه فيقول: إنَّه جدُّ "حنش". لكنَّ هذه الأحداثَ في سياقِها الآخر في ص 40 تتحوَّلُ فيُقْحِم "حنشاً" فيها ويُعرِّفه فيقول: هو "حنش بن مدرك بن محيي الحنتوشي الكلبي"! فالأحداثُ المزعومةُ واحدةٌ لكنَّ المؤلِّفَ يُقلِّبُها من جيلٍ إلى جيلٍ!
وتناقضُ صاحبِ (إمتاع السَّامر) يَكْفي عن الخَوْضِ في مناقشةٍ تاريخيَّةٍ تَزِيدُه سُقُوطاً على سُقُوطِه.
والله أعلى وأعلم