في سنة 230 هـ عاثَ الأعرابُ في الحجازِ وعاليةِ نَجْدٍ وحواشي اليمامةِ بالبلادِ فقطعُوا الطَّريقَ واستباحُوا القُرَى والمناهلِ وتطَرَّقُوا مَن يَلِيهم، ولَمْ تتوانَ الخلافةُ في الأمرِ فجَرَّدَتْ حَمْلةً على رأسِها بُغَا الكبيرُ وهو مِن كبارِ قادةِ الجيشِ "1".
أمَّا سَبَبُ هذا العَيْثِ والتَّطاوُلِ فقد حاولَ بعضُ الدَّارسين تعليلَه بـ"إسْقاطِ العربِ مِن ديوانِ العَطَاءِ، وإقصاءِ العناصرِ العربيَّةِ عن الحُكْمِ، وارتدادِ بعضِهم إلى الجزيرة" "2"، وليس هذا بالسَّديدِ فيما أرى؛ لأنَّ إسقاطَ العربِ مِن ديوانِ الجُنْدِ كان خاصَّاً بمِصْرَ في أولِ خلافةِ المعتصمِ سنة 218 هـ "3"، ولَمْ يَطَّرِحِ المعتصمُ العربَ والفُرْسَ مِن جَيْشِه إذ كانت لهم قطائعُ خاصَّةٌ بهم في سامرَّاء "4"، ولعلَّ المعتصمَ أَسْقَطَ العربَ مِن ديوانِ مِصْرَ ليَجْلُبَهم إلى العراقِ؛ فقد اصْطَنعَ المعتصمُ عربَ الحَوْفِ مِن مِصْرَ واستخدمهم في جَيْشِه وسَمَّاهم المغاربةَ "5"، وكان هؤلاءِ المغاربةُ في جَيْشِ بُغَا حين قاتَلَ أعرابَ الجزيرةِ. وارتدادُ العربِ إلى الجزيرةِ لَمْ أجِدْه فيما نَظَرْتُ فيه مِن مصادرٍ، أمَّا إقصاءُ العربِ مِن الحُكْمِ فأخْشَى أنْ يكونَ فِكْرةً مُسْبَقَةً سُلِّمَ بها مِن دونِ تَحْقيقٍ؛ فالنَّاظِرُ في مصادرِ التَّاريخِ لهذه المُدَّةِ يَجِدُ الدلائلَ مُتَضافرةً على مُشاركةٍ حَسَنَةٍ للأُسْراتِ العربيَّةِ في الحُكْمِ، وإلى هذا فليس في عَيْثِ الأعرابِ ما يُشِيرُ إلى مَوْقفٍ سياسيٍّ واضحٍ يَدْفَعُهم أو يُدافعون عنه.
مَهْما يكُنْ مِن أمرٍ فقد تَحَرَّكَتْ جيوشُ الخلافةِ سريعاً، فوصلَتْ إلى الحجازِ في شعبانَ سنة 230 هـ، وأوْقَعَ بُغَا ببني سُلَيْمٍ في السُّوَارقيَّةِ والحِرَارِ الشَّرْقيَّةِ للحجازِ "6"، وسَجَنَ بالمدينةِ مِنْهم ومِن بني هِلالٍ زُهَاءَ ألفٍ وثلاثِ مئةِ رجلٍ. ثمَّ سارَ بُغَا في أوَّلِ سنةِ 231 هـ إلى شمالِ المدينةِ يَنْوِي عشائرَ غَطَفَانَ، فطارُوا مِنْه إلى حَدِّ الشَّامِ، فتَلَقَّطَ مِنْهم قليلاً وعادَ إلى المدينةِ فيَجِدُ أهلَها قد قَتَلُوا عامَّةَ المأسُورين مِن بني سُلَيْمٍ وبني هِلالٍ. ثمَّ سارَ بُغَا إلى ضَرِيَّةَ يَطْلُبُ بني كِلابٍ "7"، فألْقَوا بأيديهم إليه ولَمْ يُقاتِلُوه، فأخَذَ مِنْهم نحو ألفٍ وثلاثِ مئةٍ وسَجَنَهم بالمدينةِ. فاسْتَقَامَ عَمَلُ المدينةِ وسَكَنَتِ الفِتْنةُ "8".
وفي سنةِ 231 هـ يُعْقَدُ لإسحاقَ ابنِ أبي حُمَيْضَةَ على اليمامةِ والبحرين وطريقِ مكَّةَ مِمَّا يلي البصرة "9"، وفي هذه السَّنةِ أيضاً وَفَدَ عمارةُ بنُ عَقِيلٍ على الواثقِ فمَدَحَه وأخبرَهُ بعَيْثِ بني نُمَيْرٍ باليمامةِ، فأمَرَ الواثقُ بُغَا أنْ يَسِيرَ من الحجازِ إلى اليمامةِ ليُخْضِعَ قبائلَها، فسارَ إليهم وهَزَمَ بعضَهم في الشُّرَيْفِ "10"، واحْتَشد بنو نُمَيْرٍ في بَطْنِ السِّرِّ، ووَاقَعَهم بُغَا في جمادى الآخرة سنة 232 هـ، فهَزَمُوا مُقَدِّمتَه وكَشَفُوا مَيْسَرتَه، ثمَّ قاتلوه من الغَدِ فهَزَمُوه إلى انتصافِ النَّهَارِ، فتشاغَلُوا بالنَّهْبِ فأعادَ بُغَا تهيئةَ أصحابِه وكَرَّ عليهم فوَقَعَتِ الهزيمةُ على بني نُمَيْرٍ وقُتِلَ مِنْهم في آخرِ ذلك اليومِ زُهَاءَ ألفٍ وخمسِ مئةٍ. فأقامَ بُغَا بعد هذه الوَقْعةِ شُهوراً يَقْتِلُ ويَأسِرُ ويُؤَمِّنُ حتَّى استقرَّتِ البلادُ، فحَمَلَ معه في ذي القعدةِ من سنة 232 هـ نَحْوَ ثمانِ مئةِ رجلٍ وسارَ بهم مُثْقَلِين بالحديدِ إلى البصرةِ، ولَحِقَ به قادتُه في الحجازِ بالأعرابِ الذين حَبَسَهم بالمدينةِ، ودَخَلَ بهم جميعاً سامرَّاء في محرم من سنة 233 هـ، وكانت عِدَّةُ المأسورِينَ مِن أعراب نَجْدٍ والحجازِ في هذه الحَمْلاتِ زُهَاءَ ألفَيْنِ ومئتَيْ رجلٍ غيرَ مَن مات أو قُتِلَ أو هَرَبَ "11".
ـ الهوامش ـ:
* مقتطفة من رسالة الماجستير: (عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ـ حياته وشعره).
(1). أبو موسى، يُسَمَّى بالكبير، قائدٌ تركيٌّ، من غلمان المعتصم، مات سنة 248 هـ (انظر: مروج الذهب 4/415).
(2). مقالة "الدولة الأخيضرية" للدكتور عبد الله الشبل، مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية ـ سنة 1396 هـ ـ العدد 6 ـ ص 461.
(3). انظر: كتاب الولاة والقضاة 193، وظهر الإسلام 1/8.
(4). انظر: ملاحظات جديدة حول ظهور المماليك 53 (ضمن كتاب: دراسات عربية وإسلامية).
(5). انظر: الكامل في التاريخ 6/22، والحوف: مِن الوجه البَحْرِي لمصر (انظر: جغرافية مصر من كتاب المسالك والممالك 66 ومقدمة محققه 18).
(6). السوارقية: قرية نجدية لبني سُلَيْم، كانت في القرن الثالث قريةً عامرةً، وهي اليوم في بلاد مُطَيْر، تتبع إمارة مهد الذهب، وتقع جنوب المدينة بنحو 180 كيلاً (انظر: أسماء جبال تهامة وسكانها "ضمن نوادر المخطوطات" 2/462، وصحيح الأخبار 3/186).
(7). ضرية: بلدة عامرة في أقصى الجنوب الغربي لإمارة القصيم، كانت في القرن الثالث لبني كلاب، تتبع عَمَلَ المدينة، ويمرّ بها طريق حاج البصرة فشهدت عمراناً كبيراً (انظر: معجم بلاد القصيم ـ ضرية 4/1406).
(8). انظر: تاريخ الطبري 5/278 ـ 281 (أحداث 230 ـ 231 هـ)، والقبائل المذكورة في الأحداثِ كلُّها من قيس عَيْلان بن مضر: غطفان بن سعد بن قيس عَيْلان، وسُلَيْم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس عَيْلان، وهلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة، وكلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
(9). انظر: تاريخ الطبري 5/284، وإسحاقُ بنُ إبراهيم بن أبي حُمَيْضَةَ مَوْلَى قيسٍ، مِن أهل أُضَاخٍ، أخباره عزيزة، وله خبر مع عمارة سيأتي (انظر: مقالة "إسحاق بن إبراهيم بن أبي حميضة" للجاسر ـ مجلة العرب ـ س 1 ـ ص 398).
(10). الشُّرَيْف: بلاد بني نمير، يحدّها من الشرق صفراء السِّر، ومن الغرب والشمال وادي الرِّشا، من بلدانها اليوم: الدوادمي والشّعراء وعَرْوَى (انظر: عالية نجد ـ الشُّرَيْف).
(11). انظر: تاريخ الطبري 5/288 ـ 290، ونُمَيْرُ ابنُ عامر بن صعصعة.