شاعرٌ فارسٌ، جاءت له أضغاثُ أخبارٍ في مَصْدرٍ فذٍّ، وهي أخبارٌ لا تكشفُ عن حياتِه الخاصَّةِ وسيرتِه بوضوحٍ، غيرَ أنَّها ذاتُ خَطَرٍ في تتبُّعِ تاريخِ قبيلتِه غطفانَ: وقائعِها وديارِها وبطونِها.
هو عبدُ الله بنُ الدّهَيِّ الفَزارِيّ، من بني مازنِ بنِ فَزَارة. عاشَ في القَرْنِ الثَّالثِ بدليلِ: روايةِ أبي عليّ الهَجَرِيِّ عنه إذْ قال: [ أنشَدَني ابنُ الدّهَيِّ ] (1)، والهَجَرِيُّ من علماءِ القَرْنِ الثَّالثِ وأدْرَكَ الرَّابعَ. وبدليلِ: ذِكْرِه في يومِ مُرامِراتٍ وهو من أيامِ القَرْنِ الثَّالثِ.
تُظْهِرُ النُّتَفُ من أخبارِه أنَّه كان شَرِيفاً في قَوْمِه فارساً مَذْكوراً وشاعراً شَدِيدَ العارضةِ عَضْبَ اللِّسَانِ. فمِن شِعْرِه: جوابُه لجُحَيْفةَ الضِّبابِيَّةِ من بني عامرِ بنِ صعصعةَ حين قالَتْ:
تَمَنَّيْتُمُ أنْ تَرْجِـعَ الحـربُ بيننـا=فدُونَكُمُوهـا لا قِحـاً قـد أقـرَّتِ
تَمَنَّيْتَـمُ شَهْبـاءَ تُقْـدَعُ بالقَـنَـ=إذا ما عَلَتْ رُوسَ الحُزُومِ اقشَعَرَّتِ
تُسَايلُ عن حَيَّـيْ عَـدِيٍّ كلَيْهِمـا=وعن مازنٍ: أيُّ البـلادِ اسْتَقَـرَّتِ
وأمَّا بنو شَمْـخٍ فمَعْروفـةٌ لَهُـا=مَنَازِلُ مِن نَجْدٍ إذا الحربُ هَـرَّتِ
فأجابَها ابنُ الدّهَيِّ:
أتانِي حَدِيثٌ من جُحَيْفةَ راعَنِـي
أحَمْقاءُ هي أمْ بالسَّفاهَةِ غُـرَّتِ
عَجُوزٌ قَتَلْنا أهلَها فهْـيَ حافِـلٌ
كَما حَفَلَتْ نابُ الغَضَا حينَ صُرَّتِ
إذا لَمْ يَكُنْ لابنَيْ ذُوَيْبـةِ ناصـرٌ
سِواكِ لَقَدْ قَلَّـتْ كِـلَابٌ وذَلَّـتِ
وهذه الأبياتُ تكشِفُ عن الحروبِ الدَّائرةِ بين غطفانَ وبني عامرٍ في القَرْنِ الثَّالثِ، وجاء فيها ذِكْرُ بطونِ فزارةَ: بني عَدِيّ وبني مازنٍ وبني شَمْخٍ.
على أنَّ أشْهَرَ الأيامِ التي حُفِظَتْ مِن أيامِ القَرْنِ الثَّالثِ يَوْمُ مُرامرات (2)، حَفِظَته لنا قصيدتانِ مُطَوَّلتانِ لشاعرين من بني عامرٍ أطنَبَا في وَصْفِ انتصار بني كِلاب على ذُبْيانَ، والشَّاعران هما: بَزِيعُ بنُ جَبْهان الضِّبابِيُّ وناهضُ بنُ ثُومَةَ الكِلابِيُّ. فمِمَّا قال ناهضُ بنُ ثُومَةَ في هذا اليوم:
صَبَحْنا يَوْمَ جَوِّ مُرامِـراتٍ
بَنِي ذُبْيانَ حَدَّ الهُنْدُوانِـي
تَرَكْنا منهـم بمُرامِـراتٍ
ملاحِمَ لا تَبِيدُ على الزَّمانِ
غَدَاةَ دَعَا المنادِي: يَا لَغَيْظٍ
وأُشْرِعَتِ الأسِنَّةُ للطِّعـانِ
وكان القَوْمُ أنداداً، فكانَـتْ
بنو البَزَرى لِحَيِّ بَنِي سِنانِ
ورَهْطُ مُلاعِبٍ وبَنِي عَـدِيٍّ
وشَـمْـخٍ ... تَكالَـبـانِ
وجاءَتْ مازِنٌ إِلْبـاً عَلَيْنـا
وبَعْدُ قبائلٌ منهـم ثَمَانـي
وغابَ ابْنَا رَبِيعةَ لَمْ يَجِيئا
وعَمَّانـا عَلَيْنـا جَاهِـدَانِ
فيَا للهِ! أيُّ رَحَـى رَحَانـا
رَكُودَ القُطْبِ ثابِتَةَ المكـانِ
فعَدَّدَ البطونَ والعشائرَ؛ فبنو ذُبْيان هم: فَزَارةَ (بنو عَدِيّ وبنو مازن وبنو شَمْخ) وبنو مُرَّةَ بنِ عوفِ بنِ سعدِ بنِ ذُبْيانَ. ويُقابِلُهم بنو كِلابٍ وهم: بنو أبي بكرِ بنِ كِلابٍ (ولَقَبُهم البَزَرَى) وبنو جَعْفَرَ بنِ كِلابٍ والضِّبابِ بنِ كلابٍ (وهُمَا: ابْنَا ذُؤَيْبةَ). وابنا ربيعةَ: كَعْبُ بنُ ربيعةَ وعامرُ بنُ ربيعةَ إخوةُ بني كِلابٍ. وعَمَّاه: بنو هلالِ بنِ عامرٍ وبنو نُمَيْرِ بنِ عامرٍ عَمَّا كِلابِ بنِ ربيعةَ. وقد ذَكَرَ ناهضُ بنُ ثُومَةَ ابنَ الدّهَيِّ في قصيدته هذه فقال:
ونَجَّى ابنُ الدّهَيِّ ولَمْ يُناظِر
على الطَّيَّارِ يَمْرَحُ في العِنَانِ
وهذه الأشعارُ والأخبارُ ظاهرةُ الدِّلالةِ على أنَّ نجداً كانت من منازلِ هذه البطونِ الفَزارِيَّةِ في هذا القَرْنِ، ويُؤكِّدُ ابنُ الدّهَيِّ هذا في شِعْرِه حين قال:
حَلَلْنا مَحَلَّاً بين طَـيٍّ وعامـرٍ
مَخُوفَ الرَّدَى: شَرْقِيُّه ومَغارِبُه
وهذه المنازلُ بين طَيِّئ وعامرٍ هي منازلُ لغطفانَ منذ الجاهليَّةِ، ذَكَرَها الشَّاعرُ الجاهِلِيُّ سَلَمَةُ بنُ الخُرْشُبِ الأنمارِيُّ الغطفانيُّ فقال:
إذا ما غَدَوْتُم عامدِينَ لأرضِنا
بني عامرٍ فاسْتَظهِرُوا بالمرائرِ
فإنَّ بني ذُبْيانَ حيثُ عَهِدْتُـمُ
بجِزْعِ البَتِيلِ بين بادٍ وحاضِـرِ
وأمْسَوا حِلالاً ما يُفَرَّقُ بينهم
على كُلِّ ماءٍ بين فَيْدٍ وساجِـرِ
ونَجِدُ ذِكْراً لطَيِّئ مرةً أخرى في شِعْرِ ابنِ الدّهَيِّ في قولِه:
خَلِيلَيَّ سِيرا واجْعَلا هَضْبَ وابـشٍ
مَدَى الطَّرْفِ مِن أعضادِهِنَّ المياسِرِ
ومُـرَّا علـى قَـوٍّ وقِيـلا بِدَوْمِـهِ
ورُوحَا إذا فاءَتْ ظِـلالُ الهواجِـرِ
فإنَّ عَسَـى أنْ تَسْلَمـا أو تُغَنَّمـا
إذا قِيلَ تَرْعَـى بالمُرَيْـرِ الأباعِـرُ
ألا لا نَخافُ الفَقْرَ ما سَلِمَـتْ لنـا
أباعِرُ طَـيٍّ والسُّيُـوفُ [البواتِـرُ
قال الهَجَرِيُّ: [ قوّ: وادٍ بين قُوَارَة الجَنَابِ وبين صَمْدِ عُذْرة ] (3)، وهذه من منازلِ فزارة الحجازِيَّةِ النَّجْدِيَّةِ (4).
وجاء في شِعْرِ ابنِ الدّهَيِّ ذِكْرُ بني أسَدِ بنِ خُزَيْمَةَ، إذ يقولُ:
أبلِغْ بني أسَـدٍ عنِّـي مُعاتَبتـي
وابْنَيْ طَرِيفٍ ذَوِي شَتْمِي وإيعادي
بأنّكم لَمْ تُفِيقُـوا مِـن خُمَارِكُـم
حتَّـى تُشَـدَّ لَكُـم خَيْـلٌ بأَلْبـادِ
وتَعْصِبَ الحربُ أقواماً ذَوِي نِعَـمٍ
عَصْبَ السُّقاةِ وَدِيَّاً بيـن أعـوادِ
فالذي يَظْهَرُ لمُتَتَبِّعِ شِعْرِ عبدِ الله بنِ الدّهَيِّ الفَزَارِيِّ أنَّ غَطَفانَ لا تزالُ إلى القَرْنِ الثَّالثِ والرَّابعِ في ديارِها منذ الجاهلِيَّةِ في نَجْدٍ والحجازِ، وأنَّ القبائلَ التي تُجاورها وتُغاورها هي القبائلُ التي كانت في هذه الدِّيارِ منذ الجاهلِيَّةِ: طَيِّء وأسَدُ بنُ خُزَيْمَةَ وعامرُ بنُ صعصعةَ.
ـــــــــــ
(1). التعليقات والنوادر: 2/ 704
(2). (جَوّ مُرَامِر) أو (مُرَامِرَات) هي البَلْدَةُ التي تُعْرَف اليوم بـ(القَرْعَا) في شمال القصيم (انظر: معجم بلاد القصيم 5/1394).
(3). التعليقات والنوادر: 2/ 705
(4). صفة جزيرة العرب 290 و 293 و 325، ومعجم ما استعجم: الجناب، والأمكنة 1/ 271، ومعجم البلدان: الجناب. ويرى الجاسر: أنّ الجناب هي التي تُعرف اليوم بالجهراء.