الخوضُ في الفتنِ والمنازعاتِ التي وَقَعَتْ بين بطونِ القبيلةِ الواحدةِ مِمَّا يتجانَفُ عنهُ فضلاءُ المؤرخين ذوو النَّظَرِ البعيدِ، لِما يُخالِطُ هذه الأحداثَ من إثارةٍ للعداواتٍ وما فيها من نَكْءٍ للجراحاتِ الميِّتةِ. وهذا ما سارَ عليه مؤرِّخُو مطير وباحثُوها.
وإذا ألجأتْ ضرورةُ البحثِ مؤرِّخاً أو باحثاً إلى التعرُّضِ لمثلِ هذه النِّزاعاتِ فإنَّ لذوي الفَضْلِ مَذْهباً في الإيجازِ والاقتصادِ، دون أنْ تَخْتلِجَهم نوازعُ العصبيةِ إلى الإزراءِ بأحدِ الطَّرَفين، ومن غير أنْ تَقْذِفَهم جَوامِحُ الهوى الأعمى إلى الباطلِ والتَّلْفيقِ.
فإنِ اجتمعَتِ السَّوْأتانِ في كتاباتِ "أحدهم": فجَمَعَ بين إثارةِ فتنةٍ وتَلْفيقِ دَعَاوى؛ فحينذاك يَجِبُ أنْ يُقْدَعَ عن هذه الفَعَلاتِ المُنْكرةِ، وقد قيل:
جاء في "كراسات" أحدهم عن حربِ علوى وبريه: [ استمرت الحرب سبع سنوات بداية من عام 1267 هـ إلى 1275 هـ، ... وأرسل الدويش إلى ابن رشيد يستنصره، فقبل طلال بن رشيد وأرسل عمه الفارس الشاعر عبيد العلي الرشيد بجيوش كثيرة وذلك رغبة في أخذ إبل بريه واستجابة لطلب الدويش ].
ثم قال: [ وكان من ذلك قصيدة الأمير عبيد بن علي الرشيد التي يبيّن فيها ما خسره خلال هذه الحروب الدامية طويلة المدى وما له من انتصارات وما عليه من هزائم جعلته يتمنى الرجوع لحائل، فقال قصيدة ذكرها كل من الصويغ في مخطوطته والحاتم في ديوان خيار ما يلتقط من شعر النبط ج 2 لكنهما لم يشيرا لمناسبتها، ومن القصيدة:
العيد عيدناه بأقصى صعافيق ... والعيد الآخر بالحفر والدجاني... ] إلى آخرِ ما أوْرَدَ من القصيدةِ.
ثالثاً ـ التَّصحيح:
تحديدُه بدايةَ الحربِ ونهايتَها صحيحٌ تماماً، ومشاركةُ ابنُ رشيد في هذه الحروبِ معروفةٌ، وأكَّدتْها المصادرُ التَّاريخيةُ.
لكنَّ صاحبَ "الكراسات" وقع من حيثُ يَدْرِي ولا يَدْرِي في خطأ تاريخيٍّ مضحكٍ! وقاتَلَ الله الهوى ما خالَطَ أمراً إلا أفسَدَهُ!
فقصيدةُ عبيد ابن رشيد هذه لا صلةَ لها بحروبِ علوى وبريه، فهذه القصيدةُ قيلَتْ قبل هذه الحربِ بسنواتٍ طوالٍ، ويَشْهدُ على ذلك أنَّ عبيد ابن رشيد يَذْكرُ في هذه القصيدةِ أخاه الأميرَ عبدَ الله ابن رشيد المتوفى سنة 1263 هـ، فيقولُ عبيد ذاكراً بلدَهُ:
متى يغرّب جيشنا عقب تشريق ... ومتى نطالع "ساق" وخشوم "أبانِ"
ومتى لهن تبدي خشوم الشواهيق ... وعفرٍ بروس مشمرخات المباني
وبيضٍ لكنْ أرقابهن الغرانيق ... ببلاد قومٍ يتعبون الصياني
دارٍ لحمّاي التوالي على الضيق ... "أبو طلال" ريف من جاه عاني وأبو طلال: هو الأميرُ عبدُ الله. وقدَّمَ أحَدُ ناشِرِي ديوانِ عبيد ابن رشيد هذه القصيدةَ بقولِه: [ يذكر عبيد في هذه القصيدة غاراته في الشمال الشرقي للجزيرة العربية ونجد والأحساء... وذلك في أيام أخيه عبد الله أبي طلال ]. فهذه القصيدةُ قيلَتْ قبل سنة 1263 هـ، أمَّا حربُ علوى وبريه فقد ابتدأتْ سنة 1267 هـ.
والعجيبُ أنَّ صاحب "الكراسات" يُشير إلى أنَّ الدويش استنصر بطلال بنِ عبد الله ابن رشيد، لكنَّه في اندفاعِه المحمومِ إلى الاستشهادِ بالقصيدةِ لَمْ ينتبِه إلى أنَّها كانت في زَمَنِ إمارةِ عبدِ الله وليسَتْ في زَمَنِ إمارةِ طلال!
ولقد تعمَّدَ صاحبُ "الكراسات" تَضْليلَ القارئ في مغالطتِه وتَلْفيقِه هذه الصِّلةِ بين الأحداثِ والقصيدةِ، والدَّليلُ على تعمُّدِ هذه المغالطةِ أنَّ صاحبَ "الكراسات" نَقَلَ قصيدةَ عبيد ابن رشيد إلى أنْ بَلَغَ قولَه:
ومتى لهن تبدي خشوم الشواهيق ... وعفرٍ بروس مشمرخات المباني
ثم تَرَكَ باقي القصيدةِ!
والذي تَرَكهُ من القصيدةِ أبياتٌ أوَّلهُا بعد هذا البيتِ السَّابقِ:
وبيضٍ لكنْ أرقابهن الغرانيق ... ببلاد قومٍ يتعبون الصياني
دارٍ لحمّاي التوالي على الضيق ... (أبو طلال) ريف من جاه عاني
فلماذا تَرَكَ هذا البيتَ؟! أليس لأنَّ [ أبو طلال ] هذه ستُفْسِدُ عليه استشهادَهُ بهذه القصيدةِ؟!
ومهما يكُن من أمرٍ... فصاحبُ "الكراسات" بين شَيْئين: إمَّا أنْ يكونَ مُزوِّراً جَلْداً! وإمَّا أنْ يكونَ جاهلاً قليلَ التَّحْصيلِ كثيرَ التَّخْليطِ! فليَضَعْ نَفْسَه حيثُ شاءَ فقد فَرَغْنا منهُ ومن "كراساته".